الأيام الخوالي: قصة حب مريرة وقعت أحداثها في تركستان
عبد الله قادري
الأيام الخوالي
قصة حب مريرة وقعت أحداثها في تركستان
(O‘TKAN KUNLAR)
ترجمة وتقديم
د. محمد نصر الدين الجبالي
Copyright © 2024 by Mohamed El-Gebaly and Otabek Alimov
Translator: Mohamed El-Gebaly
Uzbek language corrector: Otabek Alimov
Front and back cover photos are provided by the family of Abdulla Qadiri
Published by Dar Al Maaref with the support of the Embassy of the Republic of Uzbekistan in Cairo
ISBN: 978-977-02-9440-6
Content
مقدمة المترجم
لحن يتجاوز المكان والزمان
كلمة المؤلف
الفصل الأول
1. أتابك بن يوسف بك حَاجِّي
2. شاب جدير بابنة الخان
3. البِك العاشق
4. طقس مرغلان القاسي
5. ليت لنا صهرًا مثله
6. سُحب دموية تخيم على طشقند
7. الواجب
8. جالب الخير
9. اللقاء
10. العرس، جناح الفتيات
11. سعادة لم تكن على البال
12. وشاية
13. اعتقال
14. إلى طشقند طلبًا للنجاة
15. طشقند تحت الحصار
16. عزيز بك
17. يوسف بك حاجي
18. ونادى المنادي
19. وصدر الحكم
20. التعطش للاستقلال
21. انتفاضة
22. الغريب المسكين
23. مسلمان قل
اعتذار
الجزء الثاني
1. أحلام الأبوين
2. "ألن تنساني؟"
3 . حزام القرع العسلي
4. الساحر الهندوسي
5. خيانة
6. تحت تأثير الحمى
7. المنفى
8. السعادة والتعاسة
9. ما العمل إذا لم نستطع النسيان؟
10. مَن منا الأكثر بكاءً؟
11. لحن الفراق
12. خبر مفزع، وليلة مرعبة
13. سعادة من دون بسمة
14. في إثر الغريم
15. مساء يوم الإثنين
16. أتابك يكشف عن شخصيته
17. قاتل نبيل
الجزء الثالث
1. نهاية استبداد مسلمان قل
2. أيام حالكة
3. مذبحة القبجاق
4. من يستطيع أن يحجب ضوء القمر؟ )لا يمكن إخفاء الحقيقة(
5. رسالة
6. تقلب أوزبك آيم- تعاسة زينب
7. مرحبًا بالأصهار
8. كراهية خفية
9. الحاج يفقد الأمل
10. حيلة حسن علي
11. كوموش تلعب بالكلمات
12. الضرة مُرة ولو كانت جرّة
13. إن كان لنا عمر فسنلتقى
14. خوشرو بيبي وزينب
15. نصيحة الأخت
16. في انتظار المولود
الخاتمة
كلمة من المؤلف
"الأيام الخوالي"
مقدمة المترجم
يسرني أن أقدم إلى القارئ الكريم ترجمة لرائعة الأدب الأوزبكي- رواية "الأيام الخوالي"– لعبد الله قادري، الأديب، والكاتب، والمفكر القدير، ذائع الصيت في آسيا الوسطى قاطبة. وُلد عبد الله قادري عام 1894 في طشقند لعائلة تاجر ثري. اختلط منذ الصغر بمختلف صنوف البشر من التجار والمزارعين الأغنياء والفقراء. لعبت الطبقة الكادحة من العمال والحرفيين دورًا مهمًا في تشكيل نظرته إلى العالم المحيط، ورؤيته للمستقبل. عرف قادري حياة شعبه مباشرة وليس من خلال الكتب، واستوعب ملامحها من خلال التواصل المباشر مع الناس.
تخرج في مدرسة قديمة عام 1904، ثم درس في مدرسة روسية (1906)، وبعد تخرجه شغل عدة وظائف، منها: سكرتير لدى نقابة التجار المحليين (1907-1915)، وواصل عمله في الوظيفة نفسها بعد ثورة أكتوبر، ثم أمين سر لجنة الغذاء في البلدة القديمة (1918)، ثم رئيس تحرير صحيفة "شئون الغذاء" (1919)، ثم أمين اللجنة النقابية (1920)، ثم موظف أدبي، ثم سكرتير صحيفتي "الثورة"، و"الشيوعية" (1922). وهو أحد مؤسسي مجلة "موشتوم"، وعضو هيئة تحرير المجلة (1923-1926). وتخرج في معهد موسكو للآداب (1925-1926).
بدأ قادري الكتابة في سن 12 عامًا. وأهم أعماله المبكرة: قصة "الفارع" (1915)، ومسرحية "العريس التعيس" (1915)، التي تصور أسلوب الحياة الأوزبكي القديم. وكان مولعًا بقراءة أعمال قدامى الفلاسفة والأدباء- وأشهرهم عليشير نوائي – وكلاسيكيات الأدب الأوزبكي.
نشأ قادري على عتبة التقاء قرنين من الزمان، وهي فترة شهدت تعقيدات وتناقضات واضطربات اجتماعية وسياسية وأخلاقية. وبطبيعة الحال، كان لذلك عظيم الأثر في نظرته إلى العالم وإبداعه الفني الذي اتسم هو أيضًا بالتناقض، لكنه بشكل عام اتسم بالتطور المستمر، والإنجازات الإبداعية الرائعة. وتتمثل ذروة بحثه وإبداعاته في طرحه إجابات واضحة عن الأسئلة الاجتماعية الحادة المثبتة تاريخيًا حول الوجود. ومثلت هذه الأعمال صورة حقيقية شاملة للواقع التاريخي المعاصر له. وتُعد روايتنا "الأيام الخوالي" (1926) ذروة أعماله التاريخية بجانب رواية "عقرب من المذبح" (1929). وتناولت هذه الأعمال موضوعات تاريخية في الأدب الأوزبكي.
تُعد رواية "الأيام الخوالي" رواية واقعية؛ تتناول صراعات اجتماعية وأخلاقية معقدة، وتقدم تعميمات اجتماعية عميقة. يصف المؤلف بشكل فريد التقاليد الشعبية، والطقوس الدينية، والقوانين غير المكتوبة التي كانت سارية في ممالك حاكم طشقند عزيزبك، الذي حكم طشقند لمدة ثلاث سنوات بطريقة أدت إلى تراجع التجارة، وإفلاس الحرفيين الرئيسين، وانخفاض محاصيل الأرز والقطن بشكل ملحوظ. تظهر الرواية الفقر الروحي لمن هم في السلطة، وعزلة النخبة الحاكمة عن هموم الشعب، وعدم القدرة على فهم المشكلات الاجتماعية الملحة وإيجاد طريقة لحلها. تعد رواية "الأيام الخوالي" ذروة إبداع عبد الله قادري، وعلامة بارزة في تطور النثر الأوزبكي؛ حيث قدمته كاتبًا ذا مهارة فنية كبيرة، كشف بصدق عن مظالم عالم الإقطاع.
إن الاهتمام بالموضوعات التاريخية عند عبد الله قادري يمكن تبريره برغبة الكاتب في فهم ماضي شعبه، وإظهار صبره، وعمله الجاد، ونضاله البطولي من أجل الحرية والاستقلال، وبهدف مساعدة القارئ على فهم مشكلات الحاضر بشكل أفضل.
ويدور الصراع المركزي حول التناقضات الاجتماعية والأخلاقية بين الأب؛ الحاج يوسف بك، حارس تقاليد النظام الأبوي والعادات العائلية القديمة، والابن الشاب- أتابك- وهو رجل لديه آراء تقدمية حول "بنية الأسرة"، يعارض العادات والتقاليد القديمة البالية عندما يفرض الأبوان عليه الزواج بفتاة لا يحبها. ورغم ذلك يقدم المؤلف هذا الصراع العائلي ليس بوصفه حالة خاصة، بل ظاهرة اجتماعية منتشرة.
تعد صور أتابك وحبيبته كوموش ظاهرة جديدة في الأدب الأوزبكي؛ فأتابك، الذي ينحدر من عائلة ثرية، شخص مثقف، يفهم الحياة بشكل مختلف، ولديه إحساس قوي، وفهم لمعنى العدالة يحد روحه ونفسه، وتطابق تام في آرائه مع حبيبته كوموش. فهي أيضًا حسنة التربية، ومثقفة، وصاحبة رأي، وجميلة، ومؤنسة، وتحبه بصدق. إلا أن هذا الحب يجلب لها التعاسة؛ لأنها تظل خاضعة للتقاليد القديمة، التي بموجبها لا يأخذ أقاربها مشاعرها في الاعتبار.
تدين كوموش بصفاتها الروحية وجمالها وثراء عالمها الداخلي لوالدتها، أفتاب آيم، التي جسدت الأحلام النبيلة المتأصلة في المرأة الأوزبكية؛ فهي ذكية، وهادئة، ومتحفظة، وأم محبة، وإنسانة محبة للحقيقة، وربة منزل مثالية. لكنها رغم ذلك ما زالت أسيرة العادات القديمة؛ فهي تلبي رغبات زوجها بإخلاص وتخضع لإرادته وتقدر رأيه.
تعد رواية "الأيام الخوالي" أول رواية واقعية في الأدب الأوزبكي. وهي في الوقت نفسه الرواية الأكثر شعبية، والأكثر بحثًا ودراسة، كما أنها العلامة الأولى في الرواية الأوزبكية. ويتحدث الكاتب طوال الرواية إلى القارئ مباشرة، ويرسم صورًا بديعة، وينقل الحقيقة بكل مرارتها وجمالها.
وبتحليل الرواية تاريخيًا يمكن استكشاف جذور الأحداث، والصراع القديم المستمر بين النور والظلام، والحق والباطل، والحقيقة والكذب. وقد نجح الكاتب في تقديم وصف ثري للتقاليد الشعبية والدينية، والطقوس، والقوانين غير المكتوبة التي كانت سارية في تلك الحقبة. واستطاع من خلال قصة حب عادية التطرق إلى المشكلة الأكثر تعقيدًا؛ وهي الصراع بين الخير والشر.
ويعد الكاتب والشاعر والإعلامي الكبير عبد الله قادري شخصية استثنائية حقًا؛ فقد ترك علامة لا تُمحى في تاريخ الأدب الأوزبكي وتطوره. وليس عبثًا أن يُطلق على عبد الله قادري لقب "مرآة الأمة". فهو يغطي في أعماله بصدق تاريخ تركستان في القرن التاسع عشر، ويعيد إنشاء صور حقيقية للحياة الأوزبكية، ويناقش المشكلات المعاصرة له. وقد لاحظ العلماء اهتمامه بطرح القضية الوطنية، وبالتقاليد الشعبية- بخاصة- حتى أضحت الرواية أشبه بالملحمة الشعبية من القرون الماضية.
لحن يتجاوز المكان والزمان
في بداية المقال أود أن أقدم معلومات مختصرة عن الفترة التاريخية التي عاش وعمل فيها عبد الله قادري.
عندما ولد عبد الله قادري في طشقند عام 1894 ، كانت روسيا القيصرية قد احتلت مملكة كوكان ، وكانت تركستان مستعمرة لمدة 18 عامًا. وسيطرت روسيا خلال هذه الفترة على كامل ثروات المنطقة. خلال هذه الفترة، ركزت على تزويد أسواق تركستان ببضائعها، وأولت أيضًا اهتمامًا خاصًا بقطاع القطن المحلي، الذي كان حيويًا لتوفير المواد الخام لصناعة النسيج.
وكان يرأس الإدارة المحلية موظفون روس، وبقيت المعتقدات الدينية والشريعة والتعليم الإسلامي وأراضي الوقف والملكية الخاصة بعيدة عن أية انتهاكات .
في عام 1917، قام الشيوعيون السوفييت بقيادة لينين بانقلاب في روسيا القيصرية ووصلوا إلى السلطة في 7 نوفمبر. في 20 تشرين الثاني (نوفمبر 1917)، وجهت الحكومة السوفييتية خطابًا إلى الشعوب المسلمة التي تعيش في روسيا قائلة: "… يجب أن تكونوا أسياد أنفسكم في بلدكم. يجب أن تبنوا حياتكم ونمط معيشتكم وفقًا لذلك…"
بإلهام وإقتناع بهذه الدعوة، تم إنشاء الحكم الذاتي التركستاني في مدينة كوكان (25 نوفمبر 1917) ، وعبر التجديديون والمناضلون من أجل الحرية عن موقفهم السياسي تجاه السلطة السوفيتية. رداً على ذلك، في 19 فبراير 1918، أظهرت الحكومة السوفيتية نواياها السياسية الحقيقية تجاه الشعب المسلم: لمدة ثلاثة أيام أبقت سكان كوكان العزل تحت النار ، ودمرت المباني التاريخية، وأشعلت النار في منازل المدنيين، " ومات أكثر من عشرة آلاف شخص..
بالإضافة إلى ذلك، في عام 1917، حلت كارثة طبيعية أخرى بروسيا وسيبيريا وكازاخستان وتركستان. وشهدت هذه المناطق منذ ربيع هذا العام حرارة شديدة، وجفت المحاصيل بسبب نقص المياه. وسرعان ما بدأت المجاعة وارتفعت الأسعار. علاوة على ذلك، أدت الأضرار الاقتصادية المستمرة الناجمة عن الحرب العالمية الأولى (1914-1918) إلى تقويض اقتصاد البلاد وزراعتها بشكل كامل. كان شتاءا قارسا للغاية. ونتيجة لذلك، حلت المجاعة في الاتحاد السوفيتي. ووفقا للمصادر، وبحلول عام 1919، مات أكثر من مليون و مائة و اربعة عشر الف شخص من الجوع في تركستان. استمرت المجاعة حتى نهاية عام 1924.
في مثل هذا اليوم الصعب، اعتلى عبد الله قادري المسرح. ونلفت انتباه القارئ إلى إحدى مقالاته الأولى التي أرسلها من وادي فرغانة لصحيفة “تركستان الكبرى” عام 1918:
" آفة الجوع. توفي رجل يدعى آرزيقول وزوجته وأطفاله الأربعة بسبب الجوع في قرية توراقورغان بمنطقة نمنكان وهناك أناس ماتوا في الشوارع لنفس السبب… روح الإنسان الذي شهد هذه المواقف ترتجف وتذرف الدموع رغما عنها. نسأل الله أن يبارك في هؤلاء السكان عبدلله .قادري ."
وإذا أخذنا في الاعتبار تاريخ كتابة هذا المقال، فإن قادري كان هناك في فترة الحكم الذاتي التركستاني وشاهد بأم عينيه كل المآسي التي حدثت في فرغانة. لكن غرضاً رئيسياً آخر من الرحلة إلى الوادي كان البحث ودراسة المصادر التاريخية للكتاب الذي أراد تأليفه…
عندما نُشر الكتاب الذي بين أيديكم لأول مرة، كان التركستانيون يكتفون بقراءة الكتب الدينية والقصص الخيالية فقط، ولم يقرأ سوى عدد قليل من السكان الصحف اليومية السوفيتية. بعض المثقفين الأوزبكيين الذين يعرفون اللغة الروسية قرأوا الرواية بسعادة، لكن الناس العاديين لم يكونوا على دراية بهذا النوع. من الادب. تم نشر "الأيام الخوالي" ككتاب من ثلاثة أجزاء في عامي 1925 و1926 بتوزيع 10000 نسخة. وبدأت تنتشر بين السكان. يقولون إنه في غضون خمس إلى عشر سنوات أصبح الكتاب شائعًا جدًا حتى أن الأشخاص الذين يعيشون في المناطق النائية من تركستان جمعوا الأموال وأرسلوا رسولًا إلى طشقند للعثور على "كتاب كوموش بيبي) كان الكتاب يسمى كذلك من قبل الناس في ذلك الوقت) واعادته . تسجل المذكرات أنه في طشقند، وفي مدن أخرى وفي المقاهي بالقرى، أعطت مجموعات من الناس هذا الكتاب لشخص واحد حتى يتمكن من قراءته للجميع، واستمعوا إليه بسرور. حتى أن أحد الأشخاص قام بتلاوة كتاب مكون من 420 صفحة عن ظهر قلب وأمتع المؤلف الذي كان يستمع إليه في نفس الدائرة. ووصف الكاتب هذه الحالة بما يلي:
"قبل الثورة، كان شعبنا يكتفي بقراءة الأساطير البعيدة عن الحياة فقط. كنت أنوي إنشاء عمل واقعي واسع النطاق من شأنه أن يحل محل هذه الأساطير. ويسعدني أن أقول إنني لم أكن مخطئا في نيتي. "روايتي الأيام الخوالي" توغلت بعمق في الأسرة الأوزبكية وحررت القراء من قراءة مثل هذه الأساطير".
وبعد ذلك بقليل يأتي عام 1928. ومع مرور السنين، تعافت حكومة ستالين وبدأت في تقديم أفكارها الاستبدادية في جميع المجالات. وهذا ينطبق أيضًا على مجالات الأدب والفن. تم تعريف بنية هذا المجال على أنها "وطنية في الشكل، واشتراكية في المضمون". وبالطبع فإن رواية "الأيام الخوالي" لا تقع في هذا القالب على الإطلاق. ومنذ هذا العام، بدأت المقالات التي تنتقد "الأيام الخوالي" تظهر في الصحف. يتألف محتواهم المستهدف الرئيسي من ادعاءات مثل "في الرواية ينقسم الناس إلى جيدين وسيئين، وليس إلى أغنياء وفقراء"، و"لا كلاسيكية"، و"لا يوجد صراع طبقي"، و"إنها غير مناسبة للمهام الإبداعية للبروليتاريين". الأدب"، "إنه ممثل للبرجوازية الصغيرة". حتى عام 1937، تم نشر أكثر من عشرة مقالات نقدية. وفي نهاية المطاف، أدت مثل هذه التصريحات إلى إعدام القادري . تم تشويه اسمه ونشاطه..
وفي عام 1956 تمت تبرئة عبد الله قادري . وأعيد نشر أعماله ووضعها في أيدي الناس…
منذ زمن سحيق، عاشت تركستان (أوزبكستان الآن) بحرية في العلاقات الاقتصادية والثقافية والتعليمية والتجارية مع الدول العربية. وفي هذا الصدد هناك آلاف الأمثلة والشواهد على ذلك في المصادر التاريخية والأدبية. ولكن بسبب ظروف العصر ولامبالاة الناس، بدءا من عشرينيات القرن الماضي، تم إنهاء هذه العلاقات بشكل صارم. لكن هذه الشعوب مرتبطة بتاريخ روحي وديني يمتد لألف عام وثقافة مشتركة. وقد ربطنا الإمام البخاري وابن سينا والخوارزمي ومحمود الزمخشري وأحمد الفرغاني والفارابي والبيروني وغيرهم من علمائنا في اتجاهات مختلفة. وأعتقد أنه سيكون من المفيد جداً أن ندرج ضمن هؤلاء العظماء عبد الله قادري من ترجمات كتابه إلى اللغة العربية. لأنه، بحسب القادري ، قرأ المقالات التاريخية لجورجي زيدان الذي عاش وعمل في مصر، واعتبره أستاذه، وألّف كتاب “أيام مضت” مستوحى منها.
نعم إنها إرادة القدر، عندما جاء زرغام من العراق إلى فرغانة وتزوج من جهان بيبي ، هل تعتقد أن الأولاد المصريين لا يعانون من ألم أتابك وقلقه ؟ هل تعتقد أن أتابك الذي سار في شوارع طشقند – مرغلان ليس في شوارع القاهرة – المنيا ؟ هل تعتقد أن يوسف بك حاجي ذو اللحية الرمادية والمعروف ببراعته لن يوجد مثيل له في الإسكندرية أو طنطا أو الإسماعيلية؟ وإلا فمن منا لم ير الفتاة كوموش في مدن وقرى مصر التي أصبحت رمزا للإخلاص والتواضع للمرأة الأوزبكية؟
وأعتقد أن هذه الشخصيات التي عاشت في الرواية موجودة ليس فقط في أوزبكستان، بل في مصر أيضا، وما زالت على قيد الحياة. والأهم من ذلك أن الكرامة والحب والاحترام الأوزبكي المعترف بها في الكتاب هي أيضًا من سمات الشعب المصري. وطالما كانت هذه الصفات موجودة، فقد عاش هذان الشعبان وسيعيشان كجارين روحيين.
الأدب في جوهره فن لا يختار أمة ولا مكانا ولا زمانا، ويثقف العقل والتفكير الإنساني.
ونعتقد أنه إذا كانت رواية "الأيام الخوالي" يمكن أن تقدم مساهمة بسيطة في قلوب قراء الشعب المصري، فإننا على يقين من أن روح قادري ستكون سعيدة وأنه ينعم في حياته الأخرى.
حفيد الكاتب – خاندمير قادري .
كلمة المؤلف
إننا وقد دخلنا حقبة جديدة، فلا شك يتحتم علينا في أعمالنا كلها أن نلتزم الروح التقدمية للعصر الذي نعيش فيه. وهو التوجه الذي يعني، بالطبع، ظهور ملاحم وروايات وقصص جديدة ومبتكرة. إن الشعور بواجب الكتابة يولد فينا رغبة في أن نصنع لشعوبنا وأزمنتنا ملاحم على غرار: "طاهر وزهرة"، و"الدراويش الأربعة"، و"فرهاد وشيرين"، و"بهرامكور"(1).
إن رواية "الأيام الخوالي" التي أعتزم كتابتها ما هي إلا محاولة صغيرة، أو بالأحرى، هوس للإبداع على طريق اكتشاف فن الرواية المعاصرة. وكما نعلم، فإن كل عمل جديد في مراحله الأولى لا يخلو من أخطاء ونواقص، تُصَحح باكتساب الخبرة والمهارات، ثم يبدأ العمل تدريجيًا في التطور ليصل إلى شكله النهائي. ولما اطمأن قلبي إلى ذلك شجعني شغفي فتجرأت، ولم أخشَ الأخطاء والنواقص التي كانت تختبئ وراء رغبتي وهوسي.
يقال: "إن من رجاحة العقل أن يعود المرء إلى الماضي ليتخذه نبراسًا للمستقبل". وانطلاقًا من هذا، قررت أن أكرس موضوع الرواية للماضي؛ لتلك الأيام التي خلت منذ زمن ليس ببعيد، ولتلك الأيام التي هي أسوأ وأحلك أيام تاريخ بلادنا؛ "عصر الخانات الأخيرة".
عبد الله قادري (جولقون باي)، 1926
الفصل الأول
1. أتابك بن يوسف بك حَاجِّي
كان اليوم السابع عشر من أيام شهر الدلو(2) الباردة من العام 1264 للهجرة، وقد غربت الشمس وترددت في الأرجاء أصوات الآذان لصلاة المغرب.
كان خان(3) مدينة مرغلان الشهير، بأبوابه المطلة على الجهة الجنوبية الشرقية يمتلئ بالتجار القادمين من طشقند، وسمرقند، وبخارى. وكانت غرفه جميعها باستثناء واحدة أو اثنتين تزدحم بالمسافرين، الذين كانوا يأوون إليه بعد قضاء النهار كله في مباشرة أعمالهم. وكان كثير منهم منشغل بإعداد طعام العشاء، وهكذا يصبح الخان الذي كان ساكنًا في ساعات النهار مفعمًا بالحركة والنشاط، والأحاديث الصاخبة التي لا تنقطع، وأصوات القهقهة العالية التي تحدث ضجيجًا شديدًا يفوق كل تصور، حتى إنه ليبدو أن سقف المبنى يكاد يطير في السماء بفعل هذه الأصوات.
في زاوية بعيدة في الفناء الداخلي للخان كانت هناك غرفة منفصلة تمتاز عن الغرف الأخرى بأثاثها الأنيق وزخارفها البديعة؛ فبينما كانت أرضيات الغرف الأخرى تغطى ببسط من الصوف الخشن، كانت أرضية هذه الغرفة مغطاة بسجاجيد حمراء زاهية اللون. وكانت الغرف الأخرى مزودة بمراتب من القطن الخشن، في حين كانت هذه الغرفة تزدان بألحفة من الحرير و مرتبة الأدرس (4) . وإذا كانت الأماكن الأخرى تفوح منها رائحة السخام المنبعثة من المصابيح بفتيلاتها المغموسة في الزيت، فإن هذه الغرفة تتلألأ فيها أضواء الشموع. وبينما كان نزلاء الغرف الأخرى يبدون تافهين غير عابئين بشيء، فقد كان ساكن هذه الغرفة يتصرف على نحو مختلف.
بطبع هادئ متحفظ، وجسد ممشوق، ووجه أبيض جميل، وعينين سوداوين يتناسب لونهما مع حاجبيه الداكنين، وشارب خفيف ناعم بدأ لتوه يخط في وجهه، بدت هيئة ذلك الشاب ساكن الغرفة. بعبارة أخرى، فإن من بين غرف الخان كلها ونزلائه جميعًا كانت هذه الغرفة وساكنها يثيران اهتمامًا خاصًا. كان هذا الشاب المستغرق في تأملاته وأفكاره دائمًا يدعى أتابك5، وكان ابن أحد وجهاء طشقند المرموقين، وهو يوسف بك حاجي.
دخل رجلان إلى الفناء من البوابة الرئيسة للخان وتوجه أحدهما إلى بعض الأشخاص عند البوابة وسألهم: هل نزل هنا شخص يدعى أتابك؟
فوجهوهما إلى الغرفة التي وصفناها منذ قليل، فسار الزائران نحوها. كان أحدهما يدعى رحمت، وهو شاب متوسط القامة، ذو وجه دائري ولحية صغيرة خفيفة، ويبلغ من العمر خمسة وعشرين عامًا تقريبًا، ابن ضياء شاهيجي أحد أثرياء مدينة مرغلان. أما الآخر، فكان يبلغ من العمر خمسة وثلاثين عامًا تقريبًا، وكان طويلًا ونحيفًا، ذا بشرة داكنة اللون، ووجه يحمل آثار إصابة قديمة بالجدري، وعينين داكنتين ولحية كثيفة شعثاء. وبالرغم من أن هذا الشاب على قدر كبير من الثراء، فإن شهرته لم تكن تعود إلى ثرائه، بل كان يشتهر بلقب "حامد زير النساء"، الذي صار جزءًا لا يتجزأ من اسمه، ولو أن أحدًا ذكره باسمه وحده مجردًا من هذه الصفة لما فهم الناس عن أي حامد يدور الحديث. لم يكن حامد على سابق معرفة بأتابك، لكن صلته برحمت كانت صلة قرابة مباشرة، فهو خاله وصهر أبيه ضياء شاهيجي.
عندما دخل الرجلان الغرفة استقبلهما أتابك باحترام وإجلال كما ينبغي لمثليهما.
بدأ رحمت حديثه قائلًا:
– نعتذر منك أيها الأخ العزيز، فقد أزعجناك بزيارتنا هذه في ساعة غير مناسبة.
فرد عليهما أتابك بلطف كبير وهو يدعوهما إلى الجلوس في صدر المجلس:
– أبدًا، ليس هناك أي إزعاج، بل على العكس لقد أسعدتماني حقًا بتشريفكما لي، فأنا لأول مرة في مدينتكم ولا أعرف فيها أحدًا، وقد سئمت هذه الوحدة والعزلة التي اضطرني إليها عدم معرفتي بالمدينة.
في تلك اللحظة دخل الحجرة شخص آخر وألقى التحية عليهم. كان شيخًا كبيرًا يبلغ من العمر ستين عامًا تقريبًا ويدعى حسن علي، له وجه طويل، وجبهة مستديرة، وعينان صفراوان مستديرتان، ولحية طويلة بيضاء. وبالرغم من بياض لحيته، لم تكن علامات الشيخوخة ملحوظة بشكل خاص على هيئته أو في بشرته.
أجلس أتابك ضيوفه حول طاولة التدفئة(6)، وبعد أن تلا دعاءً قصيرًا توجه بالسؤال إلى حسن علي:
– كيف حالك اليوم، يا والدي؟
فرد حسن علي:
– الحمد لله، أشعر بتحسن قليلًا. يبدو أنني استنشقت بعض الدخان من فحم المدفأة.
– أود أن أطلب منك شيئًا.
– تفضل، يا بني.
– أشكرك يا والدي. هلا أعددت لنا بعض الشاي؟
– بالطبع، سيدي، في الحال.
خرج حسن علي. وبدأ رحمت يسأل أتابك مجددًا عن أحواله وصحته، ثم سأله:
– قل لي، أخي العزيز، من يكون هذا الرجل؟
صمت أتابك هُنيهة، ثم نظر ناحية الباب، وبعد أن تأكد أن الشيخ العجوز قد صار بعيدًا، أجاب:
– هو عبد لدينا.
شيء ما في هذه الكلمات أثار الدهشة والاستغراب لدى حامد: عبدكم؟
– أجل، بالضبط.
عندما كان حسن علي طفلًا صغيرًا، اشتراه جد أتابك مقابل خمس عشرة قطعة ذهبية من رجل تركماني كان يقوم بخطف الأطفال في إيران؛ ليبيعهم فيما بعد عبيدًا. لقد مر ما يقرب من خمسين عامًا منذ أن أصبح حسن علي عبدًا في أسرة أتابك. وخلال هذه المدة أصبح فردًا من أفرادها. وكان مخلصًا ومطيعًا إلى أبعد الحدود لسيده يوسف بِك حاجي وولده أتابك بصفة خاصة، وهو ما جعله ينال ثقتهما واحترامهما له. وعندما بلغ حسن علي عامه الثلاثين زوجوه بجارية لديهم، لكنه لم يرزق بأطفال، وإن حدث ووُلد لهما طفل كان سرعان ما يموت في سن مبكرة. ربما لهذا السبب كرس الشيخ العجوز محبته وتعلقه لأتابك الذي أصبح بمنزلة ابن له. "لعله بعد موتي يقرأ آية من القرآن ترحمًا على روحي، ويذكرني بكلمة طيبة ويقول: في وقت ما كان يعيش في هذه الدنيا رجل طيب يدعى حسن علي وكان يحبني كابنه، وهذا يكفي". هذا ما كان يدور بخاطره، بل إنه طلب ذلك بالفعل من أتابك، وأخذ عليه عهدًا أن يقوم بذلك. هكذا كان الخادم العجوز رجلًا بسيطًا للغاية.
بعد أن انتهى الحديث عن حسن علي، سأل رحمت أتابك:
– ماذا أحضرت معك من طشقند يا أخي؟
– أشياء بسيطة: أقمشة وجلود الأحذية وبعض أواني الطهي.
تدخل حامد في الحوار قائلًا: إن سوق الأقمشة والجلود في مرغلان منتعش للغاية.
مال أتابك ناحية الشمعة وأخذ يقص الأطراف المتفحمة من الفتيلة بواسطة المقراض، وهنا خيم على المكان شعور ملحوظ بالغربة وعدم الارتياح، فقد كان الحوار متقطعًا ولا يدور في الاتجاه المراد له، وكان الصمت الطويل هو الرد الغالب على كل كلمة يقولها أحدهم. بدا أن رحمت كان يحاول الخروج من هذا الموقف المحرج بألا يدع الحوار ينقطع.
– قل لي يا أخي، كيف وجدت مرغلان؟ هل أعجبتك؟
تردد أتابك قليلًا، وشعر بالحرج وهو يرد على سؤال رحمت:
– ماذا عساي أن أقول؟ على الأرجح، لقد لاقت المدينة قبولًا في نفسي. فمرغلان هي المدينة الأولى في تركستان في صناعة النسيج.
أخذ حامد ورحمت ينظران إلى بعضهما مندهشين من هذا الرد المبهم. فبادر أتابك الذي التقط هذه النظرات إلى التوضيح مازحًا: منذ أول يوم لي في مدينتكم مرغلان وهي تثقل عليّ، ذلك أنه لم يكن لدي أصدقاء أو معارف هنا، فكنت أشعر أنني غريب فيها. لكن من الآن فصاعدًا تغيرت الحال تمامًا لأني وجدت فيكما صديقين عزيزين حينما قررتما تشريفي بالزيارة.
فقال رحمت: عذرًا، أخي العزيز، فلقد علمت بأمر مجيئك إلى مرغلان اليوم فقط من والدي، وإلا ما كنت أدعك تشعر بالملل والضجر.
– حقًا؟
– بكل تأكيد- أجاب رحمت– فأبي حينما يكون في طشقند يتوجه إلى منزلكم مباشرة، وأنت هنا تنزل في خان للمسافرين والقوافل، لذا يحق لنا أن نعتب عليك في هذا.
فقال أتابك موافقًا رأيه: أجل، لك الحق في ذلك، لكن مبرري في ذلك أنه، أولًا، بدا لي من الصعب أن أستدل على منزلكم، بالإضافة إلى أن رجال القافلة قد استقروا على هذا المكان للإقامة فيه.
– على كل حال، هذا ليس عذرًا.
بسط حسن علي طاولة الطعام وأحضر إبريق الماء للاغتسال، ثم تلت ذلك المراسم التقليدية للضيافة.
سأل حامد وهو يغمس قطعة من الخبز في العسل الأسود: وكم تبلغ من العمر أيها البِك؟
ما كادت شفتا أتابك تتحرك بالكلام حتى رد حسن علي الذي كان واقفًا يصب الشاي: أمد الله في عمر سيدي؛ في هذا العام- عام القرد- سيتم سيدي الأربعة والعشرين عامًا.
فسأله أتابك في دهشة: حقًا، هل صرت في الرابعة والعشرين من عمري؟ في الحقيقة أنا نفسي لم أكن أعرف كم عمري.
– حقًا، سيدي، فأنت في الرابعة والعشرين من العمر.
وهنا سأله حامد مجددًا: وهل أنت متزوج؟
– لا.
رأى حسن علي الذي لم يكن يرضيه هذا الرد المقتضب بـ "لا"، أنه من الأفضل أن يوضح الأمر أكثر، فقال: على الرغم من أنه كانت هناك بعض المحاولات لإيجاد عروس مناسبة لسيدي، فإنه لم يكن مقدرًا، على ما يبدو، أن نجدها، بعد ذلك بدأ البِك يعارض فكرة الزواج مهما كان الأمر. وحتى هذه اللحظة ما زلنا نعجز عن إقامة حفل زفافه، لكن سيدي المبجل حاجي يوسف قد حزم أمره بأن يزوجه فور عودته من رحلته هذه.
– إن الزواج في رأيي هو أكثر الأمور حساسية في هذه الحياة، قال رحمت، ثم التفت إلى أتابك وأكمل: وأهم شيء بعد الزواج هو أن تكون طباع زوجتك متوافقة مع طباعك، وإلا فلن يكون في الحياة شيء أصعب من هذا الأمر.
تلقى أتابك كلمات رحمت بترحيب صادق وقال: ليس هناك أدنى شك في صحة كلامك، لكن ينبغي أن نضيف إلى ذلك أنه إذا كان على الزوجة أن تتوافق مع طباع زوجها، فعلى الزوج أيضًا أن يكون مناسبًا لزوجته.
احتج حامد على هذا الكلام قائلًا: في رأيي، ليس هذا بالأمر المهم؛ أن تكون مناسبًا لزوجتك أم لا، فكلمة "زوج" وحدها تكفي لأي زوجة، ولكن ما قاله ابن اختي صحيح في أن الزوجة يجب أن تكون مناسبة متوافقة مع زوجها.
نظر رحمت مبتسمًا إلى أتابك الذي نظر أيضًا إلى حامد بطرف عينيه نظرة تتخللها ابتسامة ساخرة. فبادر رحمت بقوله: إن أمر الزواج في أيدي والدينا، فإذا كانت العروس لا تناسب ابنهما فالشيء الحاسم في هذا الأمر هو أن تكون مناسبة لوالديه. هنا لا يحق للشاب الذي يتزوج والفتاة التي ستتزوج أن يعبرا عن رغباتهما، مع أن مثل هذه العادة لا يصح اعتبارها من الأمور المقبولة شرعًا. فأنا على سبيل المثال تزوجت فتاة تعجب والديَّ كثيرًا، لكن، بالرغم من أنها تناسبهما، فإنها لا توافق طباعي، وربما، كما قلت أنت، قد لا أكون مناسبًا لزوجتي؛ كلامك صحيح يا أخي.
استمع أتابك إلى رحمت باهتمام بالغ وتعاطف، ثم نظر إلى حامد ليرى كيف سيكون رده على هذا الكلام. التفت حامد إلى رحمت وقال: اسمع، يا ابن أختي، صحيح أنك تزوجت حسب رغبة والديك، لكن لا مجال هنا أن تغضب أو تستاء منهما. فإذا كانت زوجتك غير مناسبة لروحك فاتخذ لنفسك زوجة أخرى مناسبة، وليكن لديك زوجتان، وإذا كانت الثانية لا تناسبك فتزوج بالثالثة. لكن ليس على الزوج أن ينزعج ويغرق في الأحزان بسبب عدم توافق الطباع بينه وبين زوجته.
نظر رحمت إلى أتابك مبتسمًا ثم أجاب خاله: حسنًا، وما الفائدة إذًا من زيادة عدد الزوجات ومن ثم المزيد من العذاب والمعاناة معهن؟ في رأيي، أن تعيش حياتك مع امرأة واحدة تحبها وتحبك هو أفضل شيء كما أنه أكثر عقلانية. فها أنت على سبيل المثال لديك زوجتان لكنك لا تحظى بلحظة سلام واحدة في منزلك، بل دائمًا في عراك وشجار.
فضحك حامد وقال: بالنسبة إلى شاب مثلك فإن زوجة واحدة ستكون أكثر من اللازم. ثم ماذا تعني بقولك "المعاناة من كثرة الزوجات"؟ طالما أن سوطك يقطر دمًا حتى لو كن مئة، يمكنك أن تستمتع بحياتك دون مشكلات. فحتى يومنا هذا أعيش مع زوجتين، ولا أشعر أني اكتفيت من الفضائح والخلافات بينهما، لكني لا أستطيع القول بأنني لا أطيق فكرة الزواج بثالثة.
– ليس هناك من يضاهيك في هذا المجال، يا خالي.
نظر حامد في زهو وفخر إلى أتابك الذي اكتفى بالابتسام ردًا على كلامه. خرج حسن علي لطهي الأرز البخاري، في حين قدم أتابك الشاي للضيوف. أنهت كلمات حامد الأخيرة خلافهم. يبدو أن ثلاثتهم قد استغرقوا في أفكارهم الخاصة. بعد هُنيهة من الوقت، التفت رحمت إلى خاله: هل سمعت أن ميرزا كريم قد زوج ابنته؟
لسبب ما تسبب هذا السؤال في حالة ارتباك لدى حامد، فأجاب على مضض:
– لا أعلم شيئًا عن ذلك. أعتقد أنه لم يفعل بعد.
ثم التفت رحمت إلى أتابك رغبة منه في إشراكه في الحديث، وقال: لدينا في مرغلان فتاة.. يا الله من جمالها! يبدو لي أنه لا يوجد من يضاهيها جمالًا في هذه الأنحاء.
تجهم وجه حامد وقطب حاجبيه ونظر في عبوس إلى ابن اخته، فتابع رحمت دون أن يلحظ حالة خاله: في مدينتنا تاجر يدعى ميرزا كريم باي، وهو والد الفتاة التي أتحدث عنها. أظن أنك تعرف السيد ميرزا كريم، كان مسئولًا لمدة من الزمن عن الشئون المالية لخانية طشقند.
– كلا، لا أعرفه.
أصبح وجه حامد أكثر عبوسًا وتجهمًا، وبدا قلقه وتوتره جليين ملحوظين، في حين تابع رحمت:
– فناؤه هو المبنى الواقع عند زاوية محل الأحذية. إنه شخص مرموق جدًا، وله صلة بالعديد من أشراف طشقند ووجهائها، ربما كان يعرف والدك من بينهم.
أجاب أتابك: كل شيء ممكن. ولسبب ما ارتجف رغمًا عنه، كان واضحًا من وجهه أنه قلق، وبالرغم من هذا لم يلحظ رحمت أي تغير على وجهه، في حين لاحظ حامد فورة انفعالات أتابك. أترى كان ذلك ناتجًا عن الحديث الذي يدور بينهم، أم أنه مجرد حادث عرضي، لا نعلم بالطبع. ساد الصمت مجددًا بينهم لهُنيهة من الوقت.
– متى ستنزل ضيفًا عندنا يا أخي؟ – أخرج سؤال رحمت أتابك من حالة تفكيره: إن شاء الله.
فأصر رحمت: لا، يا أخي العزيز، عليك أن تقرر يومًا، هذا ما جئنا إلى هنا من أجله.
– لكن لماذا أزعجكم؟
– لا يوجد ما يزعجنا في هذا الأمر. إذا سمحت لنا، فسوف ننقلك من هذا الخان إلى منزلنا. وإلى أن يحدث ذلك اختر يومًا محددًا تنزل فيه ضيفًا عزيزًا علينا؛ يريد أبي حقًا التحدث إليك، وأن يسمع منك كيف تسير الأمور في طشقند.
أجاب أتابك: لا أرغب في الانتقال من هذا النزل، لكنني مستعد لزيارة والدك في أي وقت.
– شكرًا لك أخي العزيز، هلا حددت لنا يوم زيارتك من فضلك؟
– كما تعلم، ليس لدي ما يشغلني في المساء، ولكن إذا كان يناسبكم وقت آخر فلن يكون لدي خيار سوى الموافقة عليه.
قال رحمت: عافاك الله- دعني أسألك شيئًا آخر: هل من الممكن أن ندعو أشخاصًا غرباء لا تعرفهم إلى المجلس، ألا تمانع؟ أريد أن أؤكد أن هؤلاء أشخاص مقربون من دائرتنا، ومن بينهم، على سبيل المثال، ميرزا كريم قوتيدار(7).
شعر أتابك بالحرج مرة أخرى، لكنه حاول عدم إظهار ذلك، فأجاب: الأمر سيان بالنسبة لي.
وبعد تناول الأرز البخاري ودعه الضيوف ثم غادروا.
2. شاب جدير بابنة الخان
بينما كان أتابك يُحَيّي الضيوف الغرباء في منزل ضياء شاهيجي أخذ يتفحصهم بعناية. وعندما لاحظ ذلك صاحب المنزل بادر إلى تقديمهم إليه: أظنك لا تعرف هؤلاء السادة؛ هذا أحد أصدقاء والدك المقربين، ميرزا كريم قوتيدار، وهذا أكرم حاجي أحد تجار أنديجان(8).
كان ميرزا كريم يبدو في الخامسة والأربعين أو الخمسين من العمر، رجل وسيم ذو حاجبين سوداوين وعينين داكنتين، ومظهر جميل وأنيق، في حين بدا أكرم حاجي أكبر منه بعشر سنوات. تفحص أتابك ميرزا كريم مرة أخرى بعناية وقال:
– كم أنا سعيد أن تعرفت على أصدقاء والدي المقربين، شكرًا جزيلًا لك. ثم نظر إلى أكرم حاجي وميرزا كريم وواصل الكلام بأدب جم: لقد عهد إليّ أبي أن أبلغ تحياته الحارة إلى أصدقائه الأعزاء مثلكما.
– شكرًا لك، حفظك الله.
كان من بين الحضور الذين اجتمعوا في منزل ضياء شاهيجي على شرف أتابك حامد ورحمت وحسن علي بالإضافة إلى الضيفين اللذين قُدِّما للتو. بعد تقديم الضيوف بدأت عيون أتابك وقوتيدار تتلاقى بشكل متكرر. وما إن همَّ قوتيدار بفتح فمه ليسأل أتابك شيئًا ما، حتى بدأ أكرم حاجي وضياء شاهيجي حوارًا مطولًا لا ينقطع. ولكن عندما تلاقت عينا أتابك وميرزا كريم مرة أخرى سأله قوتيدار بابتسامة:
– أيها البِك، هل تتذكرني؟
فأجاب أتابك، وهو ينظر باهتمام واحترام إلى قوتيدار:
– لا يا عمي.
– كم عمرك؟
– أنا في عامي الرابع والعشرين.
قال قوتيدار وقد بدا كما لو أنه يحسب حسبة في ذهنه:
– بالطبع لا يمكنك تذكري. فعندما كنت أباشر أعمالي التجارية في طشقند، كان عمرك خمس أو ست سنوات تقريبًا. يبدو وكأن ذلك حدث منذ وقت قريب، وكأنني كنت أمس ضيفًا في منزلكم. في الواقع، مرت خمسة عشر أو عشرون عامًا منذ ذلك الحين. وها أنت الآن شاب يافع، حقًا إن الحياة تمر بسرعة كالسهم المارق.
– هل زرت منزلنا حقًا؟
– بل نزلت ضيفًا عندكم أكثر من مرة. أجاب قوتيدار، حينها كان جدك لا يزال على قيد الحياة.
في تلك اللحظة تدخل حسن علي الذي كان يجلس على مسافة منهما، ويستمع إلى حديثهما، فقال:
– حينما كان عمك يتردد على منزلنا، كنت لا تزال طفلًا صغيرًا، وقد اعتاد أيضًا أن يأخذك معه إلى الخان.
ابتسم أتابك في حرج ونظر إلى قوتيدار: آسف حقًا، لكن لا يمكنني تذكر ذلك.
كان قوتيدار على وشك أن يقول شيئًا آخر، لكن لم يمهله أكرم حاجي وسأل: وماذا يعمل والدك المبجل الآن؟
– إنه مستشار والي طشقند.
– وهل لا يزال عزيز بك واليًا على طشقند إلى اليوم؟
– أجل، بالضبط.
– أي بك؟ بل قل عزيز الراقص، صاح حامد فجأة وهو ينظر إلى أكرم حاجي ويبتسم ابتسامة ساخرة. منذ وقت قريب كان هذا "العزيز" يرقص أمام الضيوف لتسليتهم في احتفالات مسلمان قل الأعرج.
قال ذلك ثم جال بعينيه في فخر بين الحضور كأنما قال شيئًا غاية في الأهمية لا يعرفه الآخرون. وعلى ما يبدو أن كلمات حامد غير الموزونة قد بدت للحاضرين خالية من اللباقة، فأخذوا ينظرون إلى بعضهم في حالة من الذهول، أعقبها صمت تام لم يكسره سوى سؤال أكرم حاجي:
– هل صحيح ما يقال عن أن الوالي مفرط في الشدة؟
أجاب أتابك: لقد أصبت كبد الحقيقة؛ فلقد سئم الناس من قسوة عزيز بك.
لم يذهل رد أتابك أكرم حاجي فحسب، بل صدم الضيوف الآخرين أيضًا. فلقد بدا الاعتراف باستبداد راعي والده مثيرًا للدهشة والاستغراب بالفعل. لقد اكتسب عزيز بك سمعة بصفته واحدًا من أكثر طغاة خانات تركستان قسوة واستبدادًا، حتى إن قسوته على أهل طشقند قد صارت منذ زمن بعيد حديث الناس في فرغانة(9)، ينسجون حولها الأساطير والحكايات. لكن سؤال أكرم حاجي الموجه لابن أقرب الناس لعزيز بك لم يكن من قبيل الصدفة، بل كان مقصودًا؛ لاختبار أتابك. وما سمعه أكرم حاجي أثار ذهوله أكثر، ولم يفته أن يبدي اهتمامًا لمعرفة السبب وراء موقف أتابك: لكن بما أن والدك مستشار عزيز بك، فلماذا لا يوجه الوالي أحيانًا على الأقل إلى الطريق الصحيح؟
ابتسم أتابك وقال: أستميحك عذرًا، أيها المبجل، فعلى ما يبدو أنه ليس لديك فكرة واضحة بما يكفي عن منصب والدي. إن القيام بدور المستشار عندما يتخذ حكامنا قرارًا ليس مهمة مستحيلة. فعلى الرغم من أن والدي هو مستشار عزيز بك، بالإضافة إلى أنه يعد أقرب المستشارين إليه، فإنه يستمع إلى نصيحة والدي فقط في الأمور التي ليس لها أهمية خاصة. دعني أضرب لك مثالًا حدث مؤخرًا: في أحد ولائم الجمعة الخاصة أخذ أحد الرجال في مدح عزيز بك، وهنا اعترض شخص آخر: "ولماذا تبالغ في مدحه؟ عزيز بك ليس إلا مجرد غلام يرقص أمام أسياده". وصلت هذه الكلمات على الفور إلى مسامع عزيز بك عن طريق مخبر سري كان في مكان قريب. في اليوم التالي، استدعى عزيز بك هذين الرجلين إليه. أما الذي مدحه فقد حصل على منصب رفيع، في حين حكم على الثاني بالإعدام. كان والدي حاضرًا عندما حكم على الرجل بالإعدام، وعندما توجه إلى عزيز بك يسأله أي ذنب اقترفه ذلك الرجل كي يستحق الإعدام، كان رد عزيز بك أن صرخ في وجه السياف يأمره: "أخرجه في الحال". وعندما كرر والدي سؤاله ما كان من عزيز بك إلا أن "مازحه" قائلًا: ربما يريد الحاج أن يفتديه بنفسه؟"
– ولماذا لا يتوجه الناس بشكوى مكتوبة إلى الخان؟
– هل تعرف كم عدد الشكاوى التي أرسلت؟ – سأله أتابك. – لقد أرسلنا مع هؤلاء القوم الذين ظلمهم واضطهدهم عزيز بك عشر شكاوى. ما الذي يمكن أن نتوقعه من هذه الشكاوى إذا كان مستشار الخان نفسه يفوق عزيز بك في القسوة والاستبداد؟ ومع ذلك، بدأ عزيز بك في الآونة الأخيرة يتجاهل علنًا الأوامر والمراسيم الصادرة من قوقند(10). إن شكوانا كلها تستند إلى الأمل بأن "يظهر الطاعة لقوقند"، على الرغم من أن قوقند ربما تغض الطرف عنها. مهما كان الأمر، فقد سئم سكان طشقند من قسوة عزيز بك، ولا يعرفون إلى من يلجأون ليمد لهم يد العون.
هكذا بات موقف حاجي يوسف بك وآراؤه واضحة الآن للجميع، وخاصة لأكرم حاجي، ولهذا لم يعد أحد إلى مناقشة هذا الموضوع بعد ذلك، وتحول الحديث إلى شيء آخر.
كانت مأدبة الطعام قد أعدت على قدر كبير من العناية والاحترام للضيف العزيز. ومن وقت لآخر كان ضياء شاهيجي وابنه رحمت يتحدثان مع الحضور ويعرضان عليهم تذوق أطباق جديدة تلهب شهيتهم، ومع هذا لم ينجح ذلك في أن يجعل أتابك يخرج من حالة التأمل العميقة. ترى، فيمَ كان يفكر؟ من الصعب تخمين ذلك. لكن هذا هو ما كان يجذب الانتباه؛ فبينما كان غارقًا في أفكاره كانت عيناه تقع دون قصد على قوتيدار الذي كان يجلس في مواجهته، وإذا حدث أن نظر الأخير في عينيه، كان أتابك يحول ناظريه إلى أطباق الطعام. كانت حالة أتابك غير ملحوظة للضيوف الآخرين ما عدا حامد الذي كان يسترق النظر إليه ويراقبه باهتمام.
– أيها البك، أي المدن زرتها في تجارتك؟ سأله قوتيدار.
– لقد زرت العديد من مدننا، – أجابه أتابك. – حتى إنني زرت مدينة الروس سيماي(11).
– حقًا؟ هل زرت سيماي حقًا؟ – سأله ضياء شاهيجي في دهشة.
– كان ذلك في العام الماضي، لكن رحلتنا تلك تزامنت مع فترة غير مناسبة تمامًا، ولهذا السبب كان علينا تحمل العديد من المصاعب.
– يبدو أنك تاجر حقيقي، – قال قوتيدار بإعجاب، – لقد بلغنا من العمر ما بلغنا ولم نر مدننا الكبيرة، أما أنت فقد وصلت حتى سيماي الروسية.
فقال أكرم حاجي: كما يقولون إن في الحركة بركة.
في تلك الأيام، كان عدد قليل من تجار تركستان يمارسون التجارة في المدن الروسية، ولهذا فإن أتابك، الذي قد زار مدنًا خارجية قد أثار انطباعًا جيدًا لدى الحاضرين وحظي باحترامهم له. كان قوتيدار وضياء شاهيجي قد سمعا حكايات كثيرة عن الروس، وأرادا أن يتبينا حقيقة ذلك من أتابك حول ما رآه في سيماي.
فقال أتابك: قبل ذهابي إلى سيماي كنت أعتقد أن الأنظمة الحكومية جميعها في كل مكان تشبه أنظمتنا، لكن رحلتي إلى سيماي غيرت فكرتي حول هذا الأمر تمامًا، حتى إنني الآن أصبحت أرى الأشياء كلها من منظور مختلف. عليّ أن أعترف أن مبادئ أنظمتنا وأسسها مقارنة بالأنظمة الإدارية لدى الروس تبدو بائسة للغاية. لا أستطيع أن أتخيل كيف سيكون حالنا إذا استمرت حالة الفوضى والارتباك الحالية في مؤسساتنا. عندما كنت في سيماي تمنيت لو أن لي أجنحة أطير بها إلى بلادي، وأهبط مباشرة إلى قصر الخان وأحكي له بالتفصيل عن الإجراءات التشريعية كلها للحكومة الروسية. كم حلمت بأن الخان يستمع إلي ويستجيب لطلباتي، ويصدر مرسومًا بأن نسترشد بكل صرامة بالنظام المتبع لدى الروس، ومن ثم سيصير شعبنا في غضون شهر واحد على مستوى الروس نفسه، ولكن، للأسف، عندما عدت إلى دياري تيقنت أن أفكاري وتطلعاتي تلك ليست سوى أحلام سعيدة غير قابلة للتحقيق. فلا أحد يريد أن يستمع إلي، حتى إن كان هناك من يستمع، فسيغرقني على الفور في اليأس: "هل سيستمع إليك أحد من الخانات؟ وهل سيقوم أحد من الولاة بتنفيذ الأوامر؟" في البداية لم أرغب في الاستماع إلى هذه الكلمات، لكنني أدركت لاحقًا أنهم كانوا على حق. في الواقع، هل يستجيب الموتى إذا نودي "حي على الفلاح"؟
كان الجميع ينصتون باهتمام كبير إلى أتابك، وقد أدهشتهم أفكاره التي لم يسمع بها أحد من قبل. حتى رجال تركستان الحاليين الذين لم يكن يراودهم حتى في أحلامهم أن يهتموا لأمر الناس، لم يستطيعوا أن يبقوا غير مبالين أمام هذه الكلمات المثيرة التي تنبع من قلب أتابك النقي الصادق.
قال قوتيدار: لو كان لدينا حاكم مثل أمير عمر خان(12)، لكنا تفوقنا على الروس.
وأضاف ضياء شاهيجي: نحن المسئولون عن الوضع الحالي المؤسف.
رد أكرم حاجي مؤيدًا: هذا صحيح.
أراد حامد ألا يتخلف عن الآخرين فأضاف: إن الله تعالى أعطى الكافرين المال والثروة.
فقال أتابك: في رأيي إن تفوق الروس يكمن في وحدتهم وتضامنهم. إن صراعنا الداخلي الذي يبدو بلا نهاية هو السبب في تخلفنا يومًا بعد يوم. بعبارة أخرى، تبدو لي أفكار عمي ضياء شاهيجي المبجل صحيحة في البعض منها. لا يوجد بيننا أشخاص صالحون يدركون بوضوح خطورة الوضع الراهن، بل على العكس من ذلك، هناك من يفسد السلام ويخلق الصراعات، وبسببهم تتغلغل جذور الفتنة، وتنتشر في كل مكان، وتتشابك وتدفع الناس إلى مستنقع مليء بالكوارث.
ومثال على هذا ذلك العداء القائم بين قاره تشوبان والقبجاق(13). فكّروا معي، ما الفائدة والمنفعة التي قد تعود علينا نحن وعلى إخواننا القبجاق من جراء هذا الصراع؟ لا يفيد منها إلا المحرضون الذين يزرعون بذور الكراهية بين الشعبين. على سبيل المثال، هل يمكن اعتبار "مسلمان قل" شخصًا نزيها وغير متحيز؟ وماذا جلب إلى شعبه سوى إراقة الدماء؟ بسبب دوافعه وضغائنه الشخصية قام، بناءً على حجج واهية، بقتل صهره "شير علي خان"(14)، وأعدم نفسًا بريئة "مراد خان"، وتخلص من والي طشقند "سليم ساق بك"، الذي كان وديعًا مسالمًا مثل الحمل، ووضع طاغية مثل عزيز بك على رأس السلطة مكانه. ثم بعد ذلك، وبعد أن نصب نفسه الوزير الأول، أعلن ذلك الفتى الأرعن "خدايار" خانًا، وجثم هو فوق رقاب العباد. أما كان خيرًا لو أن "مسلمان قل" سعى إلى هدف أسمى، وقضى على الطغاة ومنح الناس حياة طيبة هادئة، أكان أحد ليعارض ذلك؟ لكنه بدلًا من ذلك رفع إلى السلطة عزيز بك المستبد الجائر الذي لم ير مثله في تاريخ طشقند كله.
من الصعب أن أصدق أن وحشًا مثل "مسلمان قل" قد أنجبته أم من بني البشر، وحتى يُقضى على هؤلاء الطغاة الذين استولوا على السلطة لمصالحهم الخاصة ويضطهدون الشعب بلا رحمة، فلا مفر لنا ولا مخرج إلا بالتخلص منهم، وأن نستبدل بهم رجالًا يسعون إلى العدل والخير.
واصل أتابك شرح أفكاره المبتكرة، التي لم يسمع بها أحد من قبل، وقد جلس الحضور جميعهم يحدقون فيه في دهشة فاغرين أفواههم. في الواقع كانت آراء أتابك حول أسباب الصراعات المستمرة وعواقبها صحيحة. وقد بدا أن استنتاجاته ساعدت الحاضرين على استيضاح مشاعرهم حول هذا الأمر عندما عبر علنًا عما يدور في خواطرهم ولم يجرؤوا يومًا على التعبير عنه بصوت عالٍ.
عندما خرج أتابك من المضيفة وذهب ليتوضأ قبل صلاة المغرب، أخذ ضياء شاهيجي يتبادل نظرات الرضا مع ضيوفه، ثم قال: إنه بالفعل ابن أبيه.
فأردف أكرم حاجي: بارك الله في عمره، إنه الأكثر ذكاءً ورجاحة عقل بين شبابنا. لو كان الأمر بيدي لجعلته خانًا. هل تلقى تعليمًا؟
فأجاب حسن علي الذي كان قلبه يفيض بالفرح من مدح سيده المحبب: لقد كان واحدًا من أفضل الطلاب في مدرسة "بيكلار بيغي"(15)، لكن والده أخرجه منها منذ ثلاث سنوات ليشتغل بالتجارة.
وقال قوتيدار: نعم، لقد مَنّ الله على هذا الفتى بنعم كثيرة.
أشاد الحاضرون جميعهم بأتابك، إلا حامد الذي ظل صامتًا ولم يشاركهم في ذلك، وبدا منزعجًا إلى حد ما، بل تغيرت تعابير وجهه تمامًا عندما سأل قوتيدار حسن علي إذا كان البك متزوجًا أم لا. فأخبره حسن علي أنه حتى الآن لم يجد الفتاة التي تناسبه، الشيء الذي رد عليه حامد بسرعة بقوله: يبدو أن سيدك لا ترضيه إلا ابنة خان– ثم بسخرية تخللت كلماته– فهذا النوع من الرجال بعد الزواج يظل طوال حياته يعذب زوجته.
لم يترك حسن علي هذه السخرية الغامضة دون رد، وأجاب مبتسمًا: لا أعرف إذا كان يريد الزواج بابنة الخان أم لا، لكنه ليس أقل من ذلك، وأعتقد أنه إذا كان لا يقبل أن يوجه لي، وأنا عبد مملوك اشتراه مقابل نقود، كلمة مهينة، فلا أظنه، طبعًا، يسيء إلى فتاة حرة، لا سيما وإن كانت زوجته. أعتقد أنه بعيد كل البعد عن ذلك النوع من الرجال الذين يتصرفون كالبهائم فيضربون زوجاتهم، ويتزوجون أكثر من واحدة، ويحولون حياتهن إلى جحيم، أخي الملا حامد.
كان تلميح حسن علي واضحًا للغاية، حيث إنه كان قد سمع من فم حامد نفسه أنه يضرب زوجاته أحيانًا بسوط من الجلد. ولهذا فإن العبارة الأخيرة لحسن علي جعلت حامد يشعر بالخزي أمام الجميع ولم يتفوه بكلمة واحدة. ألقى ضياء شاهيجي إلى صهره نظرة كلها عتاب واضح، وكأنه يقول له: "ألا يكفي؟"، ثم التفت إلى حسن علي وقال:
– نعتذر منك أيها الشيخ الكبير، إن ابننا حامد إنما جاء إلى هذه الدنيا فقط لكي يقول مثل هذه الأشياء المسيئة.
أما قوتيدار فقد بادر أيضًا إلى تأييد حسن علي: أنت على حق، أيها الأب. إن أتابك جدير حقًا بابنة خان.
لم يكن بوسع حامد إلا أن يظل صامتًا، لكنه ابتسم ابتسامة خبيثة ونظر إلى حسن علي.
بعد تناول الأرز البخاري كان حامد أول من غادر ثم بدأ الآخرون في المغادرة إلى منازلهم. كان طريق أتابك وقوتيدار واحدًا، ولهذا غادرا معًا. عندما اقترب قوتيدار من منزله أخذ يودع أتابك قائلًا: ننتظر تشريفك منزلنا غدًا بكل تأكيد. اتفقنا؟
– بكل تأكيد يا عمي.
– ها هي بوابة الخان هناك. ربما يجدر بك أن تبيت عندنا الليلة؟ ما رأيك؟
– شكرًا جزيلا لك، أتركك في صحة وعافية.
عندما ودعوا بعضهما وهموا بمغادرة المكان، خرج من زقاق مظلم قريب منهم شخص مدثر في ردائه وانطلق في الاتجاه الذي أتى منه أتابك وحسن علي.
3. البِك العاشق
كان خان المسافرين يغط في نوم عميق مع حلول منتصف الليل. قام حسن علي بفتح القفل اللولبي الطويل الموضوع على باب الحجرة، ودخل ثم أشعل شمعة، وبعد أن رتب السرير للبك وقف ينتظره. إلا أن أتابك لم يدخل. فقد كان في ذلك الوقت يقف بالخارج كما لو كان متجمدًا في مكانه. وقف متكئًا على العمود، وكأنه لا يعرف أن باب الحجرة قد فتح وأن الشمعة قد أضيئت، وأن الفراش جاهز.
– لقد أعددت لك الفراش، يا سيدي.
بعد هذه الكلمات دخل أتابك الحجرة وجلس بجانب السرير. كان حسن علي ينتظر أن يبدل البك ملابسه ويستلقي، لأنه أراد أن يأخذ الشمعة إلى الحجرة المجاورة. لكن أتابك ظل جالسًا على حافة السرير، وعقله غارق في الأفكار. كان حسن علي قد لاحظ أن سلوك أتابك قد طرأ عليه تغير خلال الأيام القليلة الماضية. وقد أثار سلوكه الغريب هذا على مدار الأيام الخمسة أو الستة الماضية الدهشة والحيرة لدى حسن علي. في الواقع، لم يكن أتابك الآن هو نفسه الذي يعرفه، فقد أصبح شارد الذهن، غير مكترث بالعمل.
تفحص حسن علي البك لبعض الوقت، إلا أنه كلما طالت مدة بقاء أتابك في أسر الفكر، كان صبر حسن علي يوشك على النفاد.
– "هل هناك ما يكلفني به سيدي؟"
بدا أن أتابك كان يصغي، ولكنه لم يستوعب السؤال، لأنه حينما رفع عينيه نظر إلى حسن علي وثبت ناظريه على نقطة واحدة، مما زاد من قلق حسن علي عليه. ولم يكن يعرف كيف يفسر شرود ذهن سيده. أخيرًا، انتفض أتابك كمن أفاق من النوم، ونظر إلى خادمه وقال:
– لماذا لا تذهب للنوم؟
– هل هناك ما يكلفني به سيدي؟
– ماذا عساي أن أطلب منك الآن؟ يمكنك الذهاب، وخذ معك الشمعة أيضًا.
أخذ حسن علي الشمعة وذهب إلى حجرته، التي كانت مجاورة لحجرة سيده، وكانت مكدسة بالأقمشة والأحذية والبضائع الأخرى. كان هذا بالضبط هو سبب وجود حسن علي هنا في هذه الحجرة من أجل حماية بضاعتهم. أخذ حسن علي يرتب فراشه وهو يقول في نفسه: "توبة."
كما قلنا من قبل فقد لاحظ حسن علي التغيرات التي طرأت على أتابك منذ حوالي أسبوع أو عشرة أيام، لكن قلقه عليه الآن تخطى كل حد. دفعته حالة سيده تلك إلى التفكير في أشياء مختلفة لعله يهتدي إلى سبب يفسرها. جلس الرجل العجوز على سريره وأخذ يداعب لحيته الرمادية وقد استغرق في أفكاره: أتراه قد وقع في مشكلة متعلقة بتجارته، أم أنه يعاني مشكلة صحية، لقد كان يأكل على مضض وبلا شهية في منزل ضياء شاهيجي، هذا هو السبب، ربما أصيب بمرض في هذه الأرض الغريبة.
إلا أن الشيخ العجوز لم يقتنع بأي من هذه التخمينات، لأنه كان على علم بحالة التجارة، وإذا كان سيده مريضًا فإنه كان سيشتكي بالتأكيد. وظل هكذا غارقًا في أفكاره وتخميناته وافتراضاته لفترة طويلة، لم يهده تفكيره إلى شيء، فقام وأطفأ الشمعة، فغرقت الحجرة في ظلام دامس. تلمس الرجل العجوز طريقه نحو الباب، ثم، محاولًا ألا يصدر صوتًا، فتحه وتسلل إلى الخارج بحذر، وأخذ يتلفت حوله. عندما اطمأن أنه لا يوجد أحد في المكان سار بخطوات هادئة، واقترب من حجرة أتابك، ثم توقف ونظر حوله في الفناء مرة أخرى. كان الظلام يسود المكان، وقد غط الجميع في نوم هادئ، كان يتخلله مع ذلك أصوات الخيول التي تجتر التبن في إسطبلاتها، وصياح الديكة في الجوار تتقاطع مع بعضها بعضًا. مال حسن علي بهدوء على باب حجرة أتابك لعله يسمع شيئًا. كان الصمت يسود الغرفة، ولا شيء فيها يدعو للقلق. بعد أن انتظر هنيهة، قرر حسن علي النهوض من مكانه، عندما سمع تنهيدة ثقيلة من الداخل. انتفض من مكانه، وقد لمع في عينيه وميض قلق لا ينطفئ.
قال في قلق: إن سيدي ليس على ما يرام، وحزم أمره وأمسك بمقبض الباب وهم أن يدخل على أتابك، لكنه سحب يده من على المقبض وهو يفكر: ربما لا يكون مريضًا. وقف مرة أخرى في حيرة من أمره، تنازعه نفسه إلى الدخول كي يطمئن، لكنه حاول كبح جماحها، فعاد إلى حجرته. لكن قلقه على أتابك بحلول هذا الوقت كان قد تضاعف عشرة أضعاف. فعلى الرغم من أنه بدل ملابسه وآوى إلى فراشه، لاحت أمام عينيه صورة سيده، ولم تسمح له بإغلاق جفنيه. بدأت تراوده الأفكار والهواجس، ويتردد في رأسه ما أمره به يوسف بك حاجي: "إن ابني لا يزال فتى صغيرًا، أما أنت فقد عشت حياة طويلة ورأيت الكثير وتعرف الكثير. وأنت مخلص لي أيما إخلاص. لذا فمهمتك الأساسية هي رعاية ولدي". وتتردد في أذنيه مرارًا وتكرارًا وصية والدة أتابك "أوزبك آيم" الممزوجة بالدموع: "لقد عهدت بك إلى المولى تعالى، وبابني إليك". وهكذا تلاشى النوم من عينيه تمامًا. نهض حسن علي من فراشه وارتدى الشابان(16) فوق ثياب النوم، وغادر غرفته، وجلس مرة أخرى بجانب حجرة أتابك.
كان الليل شديد البرودة، وكانت الريح الباردة تهب من الجهات جميعها وتتسلل إلى عظامه. جلس حسن علي شبه عارٍ، يرتعد من البرد. جلس غير مبالٍ ببرودة الجو وارتجاف جسده، مركزًا كل أفكاره إلى حجرة أتابك. أخذ يسترق السمع لبعض الوقت للأصوات الآتية من الداخل، ثم أخذ نفسًا عميقًا وابتعد عن الباب، وبعد أن سمع صوت أنفاس أتابك تخرج هادئة، تنهد بارتياح. على الرغم من أن هواجسه القلقة بدأت تتلاشى تدريجيًا، فإنه ولسبب ما لم يتحرك من مكانه، بل ظل جالسًا منكفئًا على نفسه من البرد. مر بعض الوقت وهدأ أخيرًا وكان على وشك المغادرة، عندما سمع من داخل الحجرة ما يشبه تمتمة نائم: "عيون سوداء، حاجبان كالهلال".
قال حسن علي: "آه"، ثم ألصق أذنه مرة أخرى بالباب. أصبح كله الآن آذانًا مصغية، وأصبح تركيزه كله موجهًا إلى الحجرة وإلى من بداخلها. لم يمضِ وقت طويل حتى استُؤنِفت التمتمة مرة أخرى: "وجه كوجه القمر، ونظرة مبتسمة، تهرب في خجل.. أواه".
تبددت مخاوف حسن علي الأولى جمعها حينما سمع تلك العبارة الأخيرة. وهنا أدرك أنه لا داعي لبقائه في البرد أكثر من ذلك، فقام من مكانه، ودخل حجرته وهو يهز رأسه ويقول في نفسه: – إن سيدي قد وقع في الحب.
فرش حسن علي سترته على فراشه، وتدثر باللحاف، وراح يحاول الإجابة عن هذه الأسئلة: "هل حقًا وقع سيدي في الحب؟ وأين تراه قد رأى فتاة في مدينة غريبة؟ ومن تكون يا ترى تلك التي وقع في حبها إلى هذه الدرجة، حتى يهذي بها في نومه؟"
حاول النظر في هذا الأمر من تلك الزاوية؛ فقد شكك في المشاعر التي استحوذت على قلب أتابك. لكنه من ناحية أخرى تذكر تلك الكلمات التي كان يتمتم بها في نومه: "نظرة مبتسمة، تهرب في خجل"، ولم يستطع أن يفسر تلك التغيرات الدرامية التي طرأت على البك في الأيام الماضية سوى بوقوعه في الحب ولا شيء سواه. أخذ الرجل العجوز يوازن بدقة بين تخميناته المختلفة. وعلى الرغم من أنه لم يكن واثقًا في حقيقة وقوع سيده في الحب، الا أن كلماته تلك "نظرة مبتسمة، تهرب في خجل"، كانت تتردد مرة بعد مرة في ذهنه. كان الليل يتراجع تدريجيًا قبل حلول الفجر، وبدأ النعاس يتسلل إلى حسن علي الذي تعب من كثرة محاولاته اليائسة لحل هذه المسألة. في النهاية قرر أن يعرف كل شيء من البك نفسه في اليوم التالي، وبعد أن هدأت نفسه خلد إلى النوم.
4. طقس مرغلان القاسي
أصبح طعام الفطور جاهزًا. جلس أتابك يخيم عليه الحزن فيما كان حسن علي يراقبه عبر استراق النظرات له بين حين وآخر. ساد الصمت لفترة وهما يشربان الشاي. أخيرًا، وجه حسن علي نظره إلى أتابك وقال بصوت خافت: "منذ مدة وأنا ألاحظ أنك تبدو حزينًا لسبب ما".
نظر أتابك إلى محاوره وأومأ برأسه موافقًا وقال: "لا أدري"، صمت هنيهة ثم واصل: "هل لاحظت ما أعانيه من يأس وحزن؟ حقيقة لا أدري، ربما يكون السبب هو الطقس في مرغلان، ربما الطقس هنا لا يناسبني".
أجابه حسن علي: "صحيح، هو كما قلت؛ طقس مرغلان مروع. تأرجح مزاجي أنا أيضًا صعودًا وهبوطًا خلال اليومين الماضيين. إذا لم نغادر مرغلان سريعًا، أعتقد أن خطبًا سيئًا سيحدث لي".
بعد أن قال ذلك، رمق حسن علي أتابك بنظرة ثاقبة وهو يفكر ما إذا كانت الافتراضات القائمة على أضغاث أحلام أتابك الليلة الماضية صادقة، فإن اقتراح الرحيل يجب أن يكون له وقع قوي على سيده ويكشف حقيقة الأمر. شعر أتابك أنه أمام طريق مسدود. ووجد صعوبة في الإجابة، ثم قال:
– سنغادر.
ثم فكر قليلًا وأردف: "في كل الأحوال لن نستطيع الاتفاق مع التجار على السعر؛ فقد عرضوا أسعارًا منخفضه للغاية ولهذا السبب، ربما يجب علينا البقاء لعدة أيام أخرى؛ في الحقيقة لا أعرف".
قرر حسن علي أن هذه المغامرة قد وصلت إلى نهايتها المنطقية، وعندما استمع إلى هذا الرد من سيده بالكاد أخفى ابتسامته. ثم ساد صمت طويل بين الرجلين. كان حسن علي في حيرة شديدة بين رغبته في مواصلة الحديث في الموضوع أو تركه. كان يعد نفسه مؤتمنًا موثوقًا به وخادمًا أمينًا، ويتعامل معه بصفته ابنًا له، ولذا قرر أخيرًا التحدث بصراحة مع سيده الشاب.
– ابني أتابك …
– تحدث عما يجيش بصدرك.
– أخبرني ماذا أعني بالنسبة لك؟
لم يفهم أتابك ما يرمي إليه حسن علي ونظر إليه بعيون متسائلة وقال مبتسمًا: "أنت؟ على الرغم من أنك لست أبي، فإنك الرجل الأكثر قربًا وإخلاصًا ووفاءً لي؛ تحبني بلا غرض حب الأب لابنه بكل تفانٍ. وبعبارة أخرى أنت أبي الروحي".
– "أحسنت يا بني. هذا تحديدًا هو الجواب الذي كنت أتمنى سماعه. والآن اسمح لي بصفتي عبدًا مخلصًا لك، أو كما قلت أنت بصفتي أباك الروحي أن أسألك: هل يتمنى الأب أي ضرر لابنه؟ أجبني يا سيدي؟"
أصابت أتابك الرعشة من وقع السؤال غير المتوقع ثم أجاب:
– على الرغم من أنني لا أفهم نواياك يا أبي، سأجيبك أنه حتى يومنا هذا كنتَ أبًا ليس لي فقط بل لكل عائلتي، وكنتَ دومًا تتمنى لنا الخير ولا شيء غيره".
واصل حسن علي وكأنه يصر على استكمال حديثه: "ربما كان الأمر على هذا النحو في الماضي، أما الآن، وخاصةً أنت …"
"خاصة أنا؟ وضح من فضلك"
"يبدو أن ثقتك بي قد نفدت، وأود أن أعرف ما الخطأ الذي ارتكبته بحقك؟".
رد أتابك منزعجًا ولم تزل علامات الدهشة لا تفارق وجهه: "إنك تتحدث بغرابة شديدة". "ما الإثم الذي ارتكبته ليجعل ثقتي بك تهتز؟ ان هواجسك لا مبرر لها. وسوف أظل دومًا في حاجة إلى وجودك بالقرب مني، وإلى رفقتك الطيبة وإلى نصائحك. وإني على ثقة أنك ستبقى أمينًا على ثروتي وأسراري كما تحافظ الأم على جنينها في رحمها. يجب أن تعلم ذلك جيدًا، يا أبتِ".
"لكن لسانك يقول شيئًا وقلبك يكشف أشياء مغايرة تمامًا يا بني"
قال أتابك، وقد بدأ صبره ينفد من استمرار هذا العتاب المتبادل: "أنت مخطئ يا أبي".
– أنا لست مخطئًا، بل على العكس من ذلك، أنا واثق من أنني على حق.
– إذًا ما دليلك على أن كلماتي تتناقض مع أفكاري وما في قلبي؟
قطب حسن علي حاجبيه بحزن ونظرات ملؤها الشعور بالإهانة: "أنت تحتفظ بسر، تخفيه عني".
– "تقصد أنني أخفي سرًا عنك؟"
رد حسن علي: "نعم، وإذا كان ما تقوله حقًا وصادقًا، وإذا كنتَ تعتقد أنني جدير بثقتك، اكشف لي عن سرك هذا".
تغير وجه أتابك واختفت علامات الغضب وتمالك نفسه وابتسم قائلًا:
– إذًا، أنت تعتقد أن لدي ما أخفيه عنك."
– نعم، لديك سر تخفيه.
– في هذه الحالة، أرجو أن تشاركني اكتشافك هذا وتخبرني بما تعرف.
رفع حسن علي فنجانه وارتشف بعض الشاي ثم بدأ يحكي؛ قال: "منذ وصولنا إلى مرغلان، أصبحت يا سيدي في حالة مزاجية غريبة ومتقلبة. وعلى الرغم من أنك تعلل ذلك بأنه بسبب طقس مرغلان السيئ، فقد عرفت أن الأمر على غير ذلك".
كان أتابك مضطرًا لإبعاد وجهه عن حسن علي، الذي كان يرمقه بنظرة ثاقبة. بدا الأمر كما لو أن هذا الرجل العجوز مكشوف عنه الحجاب؛ يرى كل شيء ويمكنه من خلال النظر إلى تعبيرات وجهه أن يرصد كل ما يخفيه من أفكار ومشاعر مكنونة ويفهمه. ولما شعر السيد بوقع نظرات خادمه، قال وهو يتحسس جبينه: "حسنًا، أكمل."
قال حسن علي بنبرة الواثق في صحة كلامه: "أنت تحاول إخفاء سرك عني، حسنًا، ربما لديك الحق في إخفائه، لكن هل من الممكن الوصول إلى الهدف بهذه الطريقة؟"
احمر وجه أتابك خجلًا، ونظر إلى الأرض، وبدا كما لو كان قد افتضح أمر ارتكابه خطأ فظيع. فيما لمع وجه حسن علي وارتسمت عليه ملامح الاهتمام الأبوي، وقال بصوت عطوف حنون كعادة الشيوخ الكبار في السن، وكأنه يحاول التخفيف عن سيده ومساعدته في التخلص من العبء الذي على كاهله: "لا شيء يدعو إلى الخجل يا بني؛ فالحب هو السعادة الكبرى، وجوهرة القلب التي يحظى بها عدد قليل جدًا من الرجال في حياتهم؛ وفي الوقت نفسه، فهو كثيرًا ما يكون سببًا في الكثير من الشقاء والشرور؛ ولهذا السبب يجب أن تسيطر على روحك، وتظهر قدرًا من الإرادة القوية وتحاول ألا تفكر فيه، وأن تنساه".
بعد سماعه هذه الكلمات رفع أتابك رأسه، ونظر في عيني حسن علي، وتنهد بقوة وأطرق رأسه مرة أخرى وكأنه يريد أن يعترض بشدة على نصيحة حسن علي: "من المستحيل أن أنسى".
ساد صمت طويل؛ فقد غرق كل منهما في أفكاره. اعتاد حسن علي وضع طرف لحيته في فمه عندما يمعن في التفكير. وها هو يفعل ذلك الآن أيضًا ويداعب بفمه أطراف لحيته.
وبعد تفكير طويل قرر تأجيل البحث عن حل لهذه المشكلة؛ حيث كان سيده يجلس مرتبكًا من فرط الخجل الشديد.
5. ليت لنا صهرًا مثله
ها هو ذا سوق الأحذية، والمنزل الواقع عند الزاوية. أصبح القارئ على دراية كاملة بشخص صاحبه. تبدو البوابة الرئيسة متهالكة بعد سنوات طويلة من العمل؛ بها شروخ في بعض المواضع، ملطخة ببصمات الأيدي، تصدر صريرًا عاليًا وتتأوه عند كل مرة تفتح فيها أو تغلق. باختصار، إذا حاولنا تصنيف هذه البوابة المعمرة، فقد نضعها في فئة "قديم قدم التاريخ".
وبمجرد أن تخطو ثلاث أو أربع خطوات عبر البوابة، ستشعر على الفور بمهابة سجون مدينة بخارى الحصينة، وستجد نفسك تهرول مسرعًا حتى تصل إلى الضوء المتسرب في نهاية الممر المظلم، وعندما تتعثر وتسقط من أعلى، ستشعر وكأنك تتحرر وتنجو من ممر السجن المظلم هذا؛ فتجد نفسك أمام مجرى مائي كبير يتدفق عبر فناء حجري ضخم، وتتنهد بارتياح، وبعد أن أصبحت حرًا، أول شيء يسترعي اهتمامك حينها ذاك المنزل الجميل ذو الشرفة الأرضية المبنية على الجانب الشرقي من السياج، بواجهة مواجهة للغرب. وعلى الرغم من أنه لا يستحق أن تتباهى به اليوم، فإن المبنى كان بلا شك يعد في أوج ازدهاره مثالًا على الرقي والذوق المعماري البديع.
لا أثر لأي شخص في الفناء أو المباني المحيطة، وهو دليل على أن مساحات المعيشة الأولية هذه منفصلة عن المسكن الرئيس، وتستخدم غرفًا للضيوف. ترتص الغرف الصغيرة ذات الأقفال على أبوابها على طول الجدارين الغربي والشرقي. من السهل أن نستنتج أن الغرض منها هو تخزين البضائع، وهي دليل دامغ على أن المالك مكتفٍ وقادر ماديًا. أما الجزء الجنوبي من الفناء، فهو عبارة عن جدار خلفي للمحال التي تحجبها تمامًا أشجار الكرز الكثيفة.
والآن نحن نغادر الحوش الخارجي ونلتف حول المضيفة، حتى نصل إلى الحوش الداخلي أو كما يطلق عليه بشكاري. أما الممر الثاني الذي يقود إلى الداخل، فهو كسابقه معتم ومغلق من جوانبه جميعها. وإذا استدرنا يمينًا في نهاية الممر، فسنصل إلى الإسطبلات؛ وإذا اتخذنا اليسار، فسنصل إلى حوش كبير ضخم المساحة مثل الأول.
والجوانب الأربعة من الفناء محاطة بمبانٍ تخدم وظائف مختلفة. وجانبا المبنى الرئيس محاطان بأجنحة كبيرة تشكل مساحات معيشة منفصلة. والبلاط مزخرف بالألوان الأزرق والأخضر والأبيض جنبًا إلى جنب مع الألواح الخشبية المنحوتة التي تفوح منها رائحة زهرية تزين الشرفة الأمامية، وتدعمها أربعة أعمدة خشبية في الوسط، وعمودان على كل جانب.
وفي منتصف الشرفة ذات الأعمدة يجلس رجل على منصة مرتفعة في مواجهة الباب، يرتدي سترة مبطنة بالمخمل الأسود أمام شجرة صندل مغطاة بمفارش جدارية من الستان متعددة الألوان.
لن نقدم هذا الرجل للقراء مرة أخرى فهم يعرفونه جيدًا. إنه ميرزا كريم قوتيدار. على جانبي الصندل، استلقت امرأتان. إحداهما ترتدي فستانًا طويلًا من أطلس خان فوقه رداء حريري بلا أكمام. وفوقه يتدلى وشاح حريري أبيض فضفاض. تبلغ من العمر خمسة وثلاثين عامًا تقريبًا، إنها جميلة ونحيفة. لها وجه يجسد اللطف والاحترام والتواضع في علاقتها بزوجها، إنها بلا ريب السيدة "أفتاب آيم" زوجة قوتيدار.
أما الثانية فهي سيدة عجوز تبلغ من العمر حوالي سبعين عامًا، وتدعى عائشة هانم، وهي والدة الأولى. وبالقرب من الموقد الحجري عند الزاوية تجلس امرأة مشغولة بغلي الماء لإعداد الشاي. إنها أكثر خشونة من البقية وتبلغ من العمر خمسة وأربعين عامًا تقريبًا. وتعمل خادمة للأسرة وتدعى "تويبكة".
ولنتوقف مؤقتًا عن التعريف بهؤلاء السيدات. دخلنا الغرفة من خلال باب صغير يعمل أيضًا نافذةً على يسار الشرفة الأرضية. في وسط هذه الغرفة نرى فتاة تجلس على بطانيات من الحرير، في حين كانت تتكاسل على وسائد من الريش، تبدو مشتتة. تتكاسل بشدة وهي تفتح عينيها؛ ربما بسبب البرد الشديد، أو ربما لأسباب لم تتكشف لنا.
أما ضفائر شعرها داكنة اللون، فتبدو في وضع فوضوي فوق الوسادة، وعيناها السوداء المتوهجة تحت رموشها الكثيفة المجعدة، تبدو وكأنها قد وقعت على شيء ما، لذا فهي تنظر محدقة في اتجاه معين؛ حاجباها الأسودان رقيقان مقوسان، يرتعدان، ووجهها مثل البدر، أبيض لؤلؤي، يحمر خجلًا بعض الشيء، كما لو كانت مرتبكة من وجود شخص ما. في هذه اللحظة، أبعدت بيديها الرقيقة طرف الغطاء، وتلمست قسمات وجهها الجميل، وتلك الشامة السوداء الخلابة التي منحها الله إياها على الجانب الأيسر من أنفها البديع، وجلست بعد أن رفعت رأسها من على الوسادة. ويبرز ثديها الصغير الفاتن متوهجًا من فستانها المصنوع من الحرير الأصفر. وبعد أن جلست، هزت رأسها مبتسمة في براءة وارتعد جسدها بالكامل ما دفع خصلات شعرها تتسرب على وجهها فتغطيه، فما إن تراها حتى تذوب حنانًا عليها وشفقة بها وتتألم من أجلها.. هي.. ذلك الملاك المتجسد في شكل فتاة صغيرة لم تكن سوى كوموش هانم (17) ابنة قوتيدار.
ولعدة أيام، كانت كوموش هانم تشكو من نزلة برد وصداع واضطراب في الرؤية؛ لذا لم تشأ والدتها أن توقظها اليوم من سباتها العميق حتى من أجل أن تصلي، ولسان حالها يقول "فلتأخذ حقها في النوم حتى تستريح".
لكن كوموش نهضت وارتدت ملابسها وغادرت غرفتها. غسلت وجهها بالماء الدافئ الذي أعدته تويبكة، وعادت إلى غرفتها، فجففت وجهها، وخرجت إلى الشرفة وجلست بالقرب من والدها بعد أن ألقت التحية على الحضور في الإيوان(18).
ألقى قوتيدار نظرة فاحصة على ابنته وسألها: "هل أصبحت أفضل يا ابنتي؟"
"لا، يا أبي العزيز، ما زلت أعاني من بعض الصداع." وضع قوتيدار يده على جبين ابنته ثم قال: "أوه، كوموش، ما زلت تعانين من الحمى. أنت بحاجة إلى الاعتناء بنفسك، ابنتي، دثري نفسك في لحاف سميك. حتى إذا تعرقت، فسوف تشعرين بتحسن يا عزيزتي". ثم طلب من تويبكة أن تصب الشاي بالحليب الدافئ إلى ابنته كوموش.
أيدت أفتاب ملاحظة زوجها قائلة: "ما زالت تعاني من الحمى. وجهها محمر ومنتفخ". قطعت عائشة بصوت ضعيف واهن حديثهما فجأة قائلة: "خاصة الليلة الماضية، لا يمكنك أن تتخيل كم كدت أموت خوفًا عليها. كانت تهذي بأشياء غريبة من فرط الحمى."
ألقت كوموش نظرة خاطفة على جدتها. قال قوتيدار: "كل هذا بسبب الحمى". "اليوم سوف أستشير طبيبًا. ابنتي الحلوة، من فضلك اشربي بعض الشاي"، ثم ألقى عليها مرة أخرى نظرة فاحصة.
بعد الانتهاء من تناول الشاي والإفطار تلا قوتيدار الفاتحة والورد، وقال لها وهو ينهض للخروج: كوموش، اعلمي أنني قد دعوت اليوم ضيفًا إلى منزلنا"، ثم التفت إلى أفتاب آيم وقال: "أرسلي الخادمًة لترتيب المضيفة، وأعطيها هذه المفارش المزركشة المخيطة حديثًا؛ فلتغطي بها طبلية تقديم الطعام والشراب، ولتزينها. أخرجي السجادة الكبيرة وافرشيها. بالمناسبة، هل توجد لدينا فاكهة كافية بالمنزل؟"
– "نعم"
– " حسنًا. بعد قليل، سأرسل لك اللحم، وحضرا لنا بعض الفطائر".
أدركت أفتاب آيم أنه طالما دار الحديث عن الفطائر المحشوة باللحم، فالضيف لا بد غير عادي.
"من عساه يكون الضيف؟"
"غالبًا لا تعرفينه. فهو شاب من طشقند. وسيكون هناك أ�
